
أَلِفْ
بيانٌ من أجل علمٍ عربي
كل طفلٍ يتعلّم العربية يبدأ بالحرف نفسه. يأتي الألف أولاً: ففي الترتيب الأبجدي القديم يرمز إلى الواحد، النقطة التي يبدأ منها كل عدّ. لم نختر هذا الاسم عبثاً.
فقبل قرابة ألف عام، كان بيت الحكمة في بغداد يحوّل العلم الذي يصله من كل مكان إلى عربيةٍ واضحة يمكن العمل بها. درس الأطباء التشريح بالعربية. رصد الفلكيون النجوم بالعربية. وابتكر الخوارزمي علم الجبر بالعربية، ومنحه اسماً ما زال يُستعمل إلى اليوم. لم تكن المعرفة تنتظر عند الحدود إذناً بالدخول. كانت تُترجم وتُستخدم مباشرة.
وفي مكانٍ ما بين ذلك الزمن وزماننا، انعكس هذا التيار. صارت العربية، بهدوء، لغةً يتعلّم بها الطالب العلم، إلى أن تبدأ الأفكار الحقيقية، فيتحوّل عندها إلى لغةٍ أخرى. فالطالب الموهوب يستطيع أن يحمل مادةً علميةً بالعربية حتى أقصى حدودها، وهناك تخذله اللغة فجأة. والسبب لا علاقة له بما تستطيعه العربية. لم يقم أحدٌ بهذا العمل منذ مئة عام.
نحن نرفض أن يكون هذا قدَراً دائماً. هذا مشروعٌ له منهج، يقوم على المهام الثلاث ذاتها التي أنجزها بيت الحكمة في زمانه: ترجمة العلم القائم، وسكّ المصطلح الغائب، ثم، مع الوقت، توليد علمٍ جديد بالعربية بدل تلقّيه مترجَماً فحسب. نبدأ بالمهمتين الأوليين، لأن البيت يحتاج أساساً قبل أن يحتاج سقفاً.
نتحرّك بسرعة لأننا نستعين بأدوات حديثة، منها الذكاء الاصطناعي، لإنجاز المرحلة الأولى من الترجمة وسكّ المصطلحات بحجمٍ لا يقدر عليه فريقٌ صغير وحده. لكن لا يكسب أي مصطلحٍ مكانه في نصٍّ إلا بعد أن يراجعه مختصٌّ بشري، ويناقشه، ويوافق عليه. والكلمة التي نخطئ فيها هنا تكلّف أكثر من جملة. إنها تكلّف القارئ القادم كلمةً ثابتةً يفكّر بها، وحين ينتشر مصطلحٌ خاطئ، يصبح تصحيحه شبه مستحيل.
وهذا القارئ، أكثر منا، هو من نعمل من أجله. الصبي الذي لم يفتح بعد كتاب فيزياء. الطبيب الذي يقرأ دراسةً سريريةً جديدة دون أن يخسر مساءه في ترجمتها أولاً. المهندس الذي يصلح نظاماً بُني في مكانٍ آخر، بلغةٍ لم ينشأ عليها. والعقل الفضولي الذي يريد أن يفهم فكرةً صعبة دون أن يقفز بين لغتين في منتصف تفكيره. نحن نبني المفردات التي سيحتاجها كل هؤلاء قبل أن يحتاجوها، كمن يزرع شجرةً لن يجلس يوماً في ظلّها.
فنحن نترجم ما هو موجود. ونسكّ ما هو غائب. ونتمسك بالدقة حين يكون التساهل أسهل. وكتاباً بعد كتاب، ومصطلحاً بعد مصطلح، نبني المكتبة التي تحتاجها لغةٌ لتتوقف عن كونها لغةً ثانية لأهلها.
الحرف الأول لا بد أن يذهب إلى مكانٍ ما. وهذا هو المكان.
مبادرة أَلِفْ
تصفّح المكتبة